حسنا .. إنه صباح الجمعة .. استيقظت كعادتي في الجمعات قبل الصلاة بقليل .. استعددت ثم انطلقت .. لم يكن اليوم من بدايته عاديًا .. أحسست نشاطا زائدا اليوم .. وطاقة كبيرة استطعت أن احسها في اندفاعي نزولا لسلالم بيتنا ..
الشارع هادئ كالعادة .. بعض الكبار بجلاليبهم البيضاء إلى المساجد .. هممم هذا الرجل غريب الشكل .. أعتقد انه طبيب .. لكن مشيته لم تتوافق مع الجلباب .. فالجلبابـــــــــ …..
لم تكتمل جملتي الفكرية بعد .. فقد قاطعتني سيارة مسرعة ببوق عالي صرخ في أذني كأنها على وشك التهامي .. وقد حدث ..
حلقت .. هبطت .. وها أنا ذا في وضع مختلف ..
يبدو أن الصدمة كانت عنيفة جدًا .. فقد شاهدت شريط حياتي أثناء رحلتي منذ الارتطام وحتى الهبوط على الأرض .. إذا هذا ما كانوا يحكون عنه ..
رغم أن الموقف لم يتعدى أجزاء من الثانية .. إلا أنني أحسست أن أشياء كثيرة قد مرت بخاطري .. ربما أكثرها رعبا هو إدراكي أنني قد أموت الآن .. وأن كل شيء سيبدأ قريبا ..
نعم .. لا أقول النهاية .. البداية .. أن كل هذه الأشياء التي كانوا يخبروننا عنها في الكتب وفي المساجد ستحدث الآن .. يا خبر .. الآن!!
أحسست كطالب اضطر أن يترك كتابه خارج اللجنة .. يقدم رجلا ويؤخر أخرى .. وبينما يبحث عن مقعده في الامتحان فهو يفكر في إجابات لأسئلة محتملة ..
لا .. أنا أسوأ .. فقد عرفت الأسئلة منذ زمن .. ومع ذلك لم أجهز إجابة حقيقية .. نعم أمنت وعملت .. الخ .. لكنني لا أذكر أنني جلست أراجع إجاباتي ..
ها أنا ذا ملقى على الأرض .. اجتمع حولي كل من كان في الشارع .. على وجوههم عبس وصدمة .. شاب غادر .. لأول مرة أفشل في فهم هذه النظرة التي كنت أنظر بها بنفسي لكل من غادر حياتكم هذه .. هل هم حزنى على فراقي؟ لا أعتقد .. فأكثرهم لا يعرفني .. ربما خوفهم على مصيري .. أو خوفهم من مصيري ..
بينما أتأقلم مع فكرة كوني ميت .. إذا بملكين يأتيان مبتسمين .. يرحبان بي ويطمئناني .
.لا أستطيع أن أصف لك ما أشعر به الآن .. دعك من كل أحاسيس الارتياح التي شعرت بها في حياتك .. انتهاء الامتحانات .. التخرج .. الزواج .. تزويج ابنتك .. الخ .. كل هذا لم يكن شيئا ليقارن بهذه الابتسامة .. الحمد لله .. مجرد ابتسامة هذا الملك أعطتني ارتياحًا أبديا .. وكأن جبال الدنيا قد أزيحت عن عاتقي ..
أخذاني من ذراعي برفق .. توقف الزمن هنا .. لم يعد يحدث على الأرض شيء .. وبدأت الرحلة ..
الألوان هنا مختلفة .. كل شيء له لون مختلف .. هناك ألوان كثيرة جدا أراها لم تكن موجودة عندما كنت محبوسا في جسدي .. نعم .. جسدي المحدود .. الآن أدركت معنى الزمان والمكان .. وأنهما ليسا الحال هنا ..
وكأن كل شيء يحدث الآن .. كل شيء حدث وكل شيء سيحدث وما يحدث بالفعل .. الآن .. وكل الأمكنة .. ساعدني تحرر بصري من ذلك ال"مجال البصري" الذي كنا نراه في الدنيا .. الوضع الآن مختلف ..
لا .. العالم مختلف .. من سماء إلى سماء .. أنا أصعد مع رفقتي الطيبة .. أستمتع بما أرى وأسمع .. أنبهر .. لكنني بدأت أشعر أنني جزءا من هذا العالم .. وكأن روحي قد عادت من رحلتها المتعبة إلى الدنيا ..
****
ها أنا ذا مرة أخرى .. قبل أن أعود إلى جسدي للقبر والفصل الثاني من الرواية .. أنظر من الأعلى بينما يغسلون جسدي بالأسفل .. ستتعجب إن كنت مكاني .. من هنا أستطيع أن أرى حزن أهلي .. أيضا أرى في جانب آخر من البلدة أناسا يحتفلون .. فاليوم زفاف ابنتهم .. أأأه .. يا ربي .. هذا هو جوالي المسروق!! الآن أعلم أن سائق الميكروباص هو من سرقه .. وكأنني أرى عدة أشياء في وقت واحد .. الآن فقط اتعجب من محدوديتنا التي كنا فيها .. أعلم أنني بعد قليل عائد إلى جسدي .. وأحمل هم ذلك .. سأقيد مرة أخرى .. وضمة القبر .. يا إلهي الطف بي ..
أرى خبر موتي قد انتشر .. واستطيع من هنا أن اشاهد ردود فعل مختلفة .. من أحبابي من انهمر بالبكاء .. منهم من صدم .. وممن سمع من الناس من لم يصدق .. وكأن موت إنسان هو أمر مستبعد .. أو أن موت شاب هو أمر نادر رغم أنه يحدث كل يوم ..
****
اعذرني .. سأضطر لأن أقطع قصتي .. فلدي ما يشغلني الآن ..سأحاول تحضير بعض الإجابات للامتحان الشفوي مع الملكين بعد قليل .. كما أنني مشغول بالتفكير في البرزخ .. ياترى أين سأكون .. مع من ؟ ونفعل ماذا؟ قد علمت من الأقاويل التي سمعتها هنا في السماء أن الأمر شارف على الانتهاء .. الا أن لا أحدا يعلم متى النهاية .. إلا الله تعالى ..
حسنا لم يعد أمر النهاية يخصني كبشري .. لا شيء لأعمله .. علي فقط أن انتظر وأن آمل أن الله برحمته سينجيني ويتجاوز عن غباءاتي ..
تبًا لي .. كيف كنت بهذه السذاجة .. حتى في عباداتي .. أدركت الآن أنني كنت مغيبًا .. كيف غاب عن خاطري أنني كنت منصبا على الدنيا .. حتى أنني في أغلب الأحيان كنت أتعبد لأسعد في الدنيا .. لأن هذا كان يجعلني سعيدا .. أو ربما لحظوة عند الله يجعل حياتي بها أفضل ..
كيف غاب عني أن الكل كان لهذا اليوم .. أنها ليست الدنيا .. بل الآخرة ..
ااااخ .. ارحمني يا رب ..
****









نايف حمزة الخضير
Jan 14th, 2010
بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً : الحمد لله على السلامة أخي د.أدهم :::::: وما تشوف شر إن شاء الله تعالى ::: لا بأس طهور إن شاء الله .
ثانياً : مقال جميل بعد الصدمة (وهذا يدل أنك بخير إن شاء الله تعالى )
ثالثاً : الله يهديك مرة ثانية لا تسرّح وأنت رايح الصلاة
adhamox
Jan 14th, 2010
الله يسلمك .. لا حادث ولا بتاع .. كل ده ماحصلش ..
عبده عجيبي
Jan 14th, 2010
كم هي رائعه خيالاتك
لكن لا تعيدها مرة ثانيه دنته خوفتني
shady
Jan 14th, 2010
7amdella 3la slamtak ya 3am khadetne wlahe 2olt elwad dah mesh kan m3aya e7na hanesta3bat!! bas begad very impressive ya adham, nice ya my friend ",)
Bassiouny
Jan 14th, 2010
…………
ومن اول السطر …. اعاده تفكير فى تصرفاتنا وافعالنا من جديد ….. وربنا يستر علينا
very inspiring
Mona Ganna
Jan 14th, 2010
Speechless, Barak Allah Fek ya Adham.
عودة إلى الحقيقة التى نغفل عنها فى حياتنا
طارق منصور
Jan 15th, 2010
مقال رائع, لكن اعتقدت وانا اقراء انها حقيقة
ربما لو ذكرت في بداية المقال انها من خيالك لكان افضل
جزاك الله خير
adhamox
Jan 22nd, 2010
إثارة وتشويق بقى يا بشمهندس ..
Karim
Jan 16th, 2010
و أنا اللي أول ما قريت طلعت الموبايل و لسه هتصل بييك … حمدالله على السلامة ياعم … ركز في المذاكرة بقى
و شكرا على الإفاقة
esraa
Jan 22nd, 2010
بجد خضتنا عليك
بس الحمد لله
الموضوع مخيف شويه بس يدعو للتفكير
وشكرا على التذكره
أم يحيي
Jan 23rd, 2010
انا خفت ..ربنا يرحمنا جميعا
اي حد جرب امتحان شفوي عليه درجات كبيرة شوية يعني يحدد مستقبلك ووقف قام اللجنة مستني دوره ومن كتر قلقه عايز يخلص وخلاص مهما كان اللي هيحصل هيفهم ليه يوم القيامة هيروح الناس للانبياء ويطلبو منهم الشفاعة بس عشان الحساب يبتدي
اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك ..مقال رائع كالعادة
جزاكم الله خيرا
khalid
Mar 18th, 2010
جزاك الله خير على حسن التذكرة
لقد سعدت جداً بقرآة موضوعك
وأسأل الله أن يوفقك في الحياة الدنيا والآخرة